حسن الأمين
131
مستدركات أعيان الشيعة
الشاه وموضع عنايته حتى تنبأ القريبون من البلاط أنه سيخلف الصدر الأعظم « الميرزا يوسف أمين السلطان » ( 1 ) بعد وفاته وقد صحت نبوءتهم . فقد توفي هذا الصدر الأعظم سنة 1303 هفتولى « الميرزا علي أصغر خان » مهامه كلها من غير أن يعين رسميا لمنصب الصدر الأعظم . وظل يقوم بها إلى سنة 1306 هإذ أصدر الشاه مرسوما بتعيينه في منصب « الوزير الأعظم » ( 2 ) ( رئيس الوزراء ) ، وكان عمره يومئذ 31 سنة . وفي سنة 1310 هعين صدرا أعظم . وفي سنة 1318 هفي عهد مظفر الدين شاه حصل على لقب « الأتابك الأعظم » . وكان السبب في هذا التأخير هو أن « ناصر الدين شاه » كان مترددا في اختيار واحد من ثلاثة لهذا المنصب أحدهم « الميرزا علي أصغر خان » هذا . فاستخار وجاءت نتيجة الاستخارة نهيا عن تعيين « الميرزا علي أصغر خان » وموافقة على تعيين أحد الرجلين الآخرين . ولكن هذه النتيجة كانت مخالفة لرأي الروس والإنكليز . إذ كانوا يرغبون في تعيين « الميرزا علي أصغر خان » دون [ ذتيك ] ذينك الرجلين ، والشاه لا يستطيع مخالفة رغبتهما ويخشى مخالفة الاستخارة . عرف « الميرزا علي أصغر خان » من حين اتصاله ب « ناصر الدين شاه » ، كما عرف أبوه من قبله ، موضع الضعف في هذا الشاه ، وهو حبه للمال ، فكان لا ينفك يوالي إرسال المال والتحف إليه باسم الهدية . وذلك بتحويل الأموال والهدايا إلى « أمين أقدس » إحدى زوجات الشاه الأثيرات ومنها إلى الشاه . ومن ثم أطلق عليها اسم « أمين » أو « أمينة » إذ كانت الأموال التي ترسل إلى الشاه تحول إليه بواسطتها . جمع « الميرزا علي أصغر خان » زمام الأمور في يده في عهد « ناصر الدين شاه » وعهد « مظفر الدين شاه » ، قبل حصوله على منصب الصدر الأعظم وبعد حصوله عليه ، حتى أصبح يحسب حسابه في أمور الحل والربط أكثر مما يحسب حساب الشاه نفسه ، إذ كان الشاه طوع رغبته ينفذ مطالبه بلا تردد . وخص إخوته وأقاربه بالمراكز والوظائف الكثيرة المختلفة التي يقتضيها ما في عهدته من المناصب والمسئوليات المتعددة ، حتى إنه عين أخا له في منصب « صاحب جمع » وهو في العاشرة من عمره . وكان يتعالى على الجميع فلا يرى أحدا فوقه ولا يبالي أن يذكر علنا على رؤوس الأشهاد رجال الدولة بالإهانة والسوء ، بل بلغ به الأمر إلى التمرد أحيانا على أوامر « ناصر الدين شاه » نفسه وإساءة الأدب في حضوره . وفعل شيئا من هذا مرة ثم أراد أن يسترخي الشاه فاهدى إليه مبلغا من المال وعلبة سعوط مرصعة بالماس . كان من أول مرة يؤثر الإنكليز ، وكان لذلك أثر في تقديمه وترقيه في المناصب . ويوم كان في منصب « الوزير الأعظم » ( رئيس الوزراء ) في عهد « ناصر الدين شاه » أعطى الإنكليز في سنة 1306 هامتيازا بحق الملاحة في نهر « قارون » ( 3 ) ، وامتيازا بإنشاء بنك في إيران وامتيازا باستخراج المعادن من أرضها . وفي سنة 1307 هأعطاهم امتياز حصر التبغ والتنباك ، ذلك الامتياز الذي أثار الإيرانيين وحمل « الميرزا حسن الشيرازي » مرجع الشيعة الديني الأكبر يومئذ ( 4 ) على إصدار فتوى بتحريم تدخين التبغ والتنباك وأطاع الناس فتواه فاضطرت الحكومة الإيرانية إلى إلغاء الامتياز سنة 1309 ه . وإذ كان بين الروس والإنكليز تنافس شديد على النفوذ في إيران فقد أغضبت هذه الامتيازات الحكومة الروسية واعتبرت « أمين السلطان » معاديا لها مناقضا لمصالحها . وقامت مظاهرة كبيرة في طهران اعتراضا على هذه الامتيازات ، وطوق المتظاهرون مقر « أمين السلطان » ودخلت مئات منهم إلى المقر ، وهم يشتمون الشاه ويصيحون : أخرج إلينا أمين السلطان لنقتله ! . ظل « أمين السلطان » يمالئ الإنكليز وهم يدعمونه في البلاط إلى سنة 1308 ه . وكذلك كان « ناصر الدين شاه » يساير سياستهم ويمالئهم . وفي تلك السنة بدأت فتنة امتياز التبغ والتنباك إلى أن اضطر الشاه و « أمين السلطان » إلى إلغائه سنة 1309 ه ، واضطرت إيران إلى التعويض على الشركة الإنكليزية صاحبة الامتياز بغرامة مالية ضخمة . وكان إلغاؤه يعد انتصارا للروس على الإنكليز . وعندئذ نفض « أمين السلطان » يده من الإنكليز وانحاز إلى الروس واقتدى به « ناصر الدين شاه » أيضا . وزاد « أمين السلطان » السفارة الروسية مصالحا وعاهد الروس وأقسم لهم أنه لن يخالفهم بعد اليوم . وضمن الشاه للسفير صدق قول « أمين السلطان » . وأصبح « أمين السلطان » بعدها العامل الأول في تفوق السياسة الروسية على السياسة الإنكليزية في إيران يومئذ . والظاهر أن هذه المصالحة هي التي أدت ب « ناصر الدين شاه » و « أمين السلطان » ، فيما بعد إلى القتل ، واحدا بعد الآخر . وفي سنة 1314 ه ، في عهد « مظفر الدين شاه » اضطر الإنكليز الشاه إلى عزل « علي أصغر خان أمين السلطان » من منصب الصدارة العظمى ونصب آخر من الموالين لهم في مكانه . فعزله وأبعده محترما إلى مدينة قم فأقام فيها منزويا . وضايق الصدر الأعظم الجديد إخوة الصدر الأعظم المعزول وأقاربه الذين كان قد عينهم في مناصب مختلفة ، فسجن بعضهم وصادر أموال بعضهم . ولم يرض تعيين هذا الصدر الأعظم الروس إذ كان مخالفا لهم موافقا لمنافسيهم الإنكليز . فألحوا على الشاه مطالبين بعزله وإعادة « أمين السلطان » إلى منصبه . فرضخ لهم وعزله في سنة 1316 هولما يمض على صدارته غير سنة وبعض السنة . وكان السبب في انصياع الشاه لهم ومخالفته بذلك للانكليز أنه احتاج إلى قرض ليسافر إلى أوروبا للسياحة والمعالجة والخزينة خالية . فطلب القرض من الإنكليز فرفضوا إقراضه وعجز الصدر الأعظم الجديد عن تدبر الأمر . فعزله ليعيد « أمين السلطان » إلى منصبه على أمل أن يستطيع هذا الاستقراض من الروس . وأحضر « أمين السلطان » من قم إلى طهران سنة 1316 هو عين صدرا أعظم . وسعى « أمين السلطان » إلى الحصول على القرض من الروس فاستجابوا له وأقرضوه في سنة 1317 ه ( 1900 م ) اثنين وعشرين مليون
--> ( 1 ) من كبار رجال السياسة والحكم في عهد « محمد شاه قاجار » وعهد ابنه « ناصر الدين قاجار » . ( 2 ) في سنة 1275 هأنشا « ناصر الدين شاه » هياة وزارية باسم « مجلس شورى الوزراء » تتالف من ستة [ وزاراء ] وزراء لست وزارات . وأنشأ مجلسا آخر باسم « مجلس شورى الدولة » مؤلفا من أحد عشر عضوا . وينظر المجلسان في مختلف شؤون المملكة ثم تعرض قراراتهما على الشاه للموافقة عليها . ومنصب « الوزير الأعظم » غير منصب « الصدر الأعظم » . ( 3 ) يقع في جنوب إيران ويصب في شط العرب . ( 4 ) كان يقيم في العراق في سامراء .